من ضوء الشاشة إلى ظلام الزنزانة
خاص – نبض الشام
لم يعد تطبيق “تيك توك” مجرد منصة للترفيه في مصر، بل تحوّل إلى مساحة للتعبير ومصدر دخل لشباب يملكون ملايين المتابعين. غير أن هذه الشهرة القصيرة الأمد اصطدمت بواقع قانوني وأمني مشدد، لتتحول قصص الصعود السريع إلى دروس قاسية تنتهي أحياناً خلف القضبان. وتبرز قضية الشابة مريم أيمن المعروفة باسم “سوزي الأردنية” كأحد أبرز الأمثلة على هذا التناقض الصارخ بين عالم الشهرة وحدود الحرية في الفضاء الرقمي.
من النجومية إلى الجنائية
بدأت سوزي رحلتها مثل كثير من المراهقين بنشر مقاطع بسيطة عن حياتها اليومية، قبل أن تتحول إلى نجمة يتابعها أكثر من تسعة ملايين شخص. غير أن هذا الحضور الواسع لم يمنع السلطات من ملاحقتها، إذ أوقفتها مطلع أغسطس ووجهت إليها اتهامات “خدش الحياء” و”غسل الأموال”، رغم أن محتواها كان بعيداً عن السياسة في مجمله. المفارقة أن بعض هذه المقاطع لا تختلف كثيراً عما يُعرض في القنوات الرسمية أو الإعلانات التجارية، ما أثار جدلاً واسعاً حول المعايير التي تُستخدم لتجريم المؤثرين.
قوانين غامضة
ترى السلطات أن هذه الإجراءات ضرورية لحماية القيم الأسرية ومكافحة المكاسب غير المشروعة عبر الإنترنت، فشملت التدابير تجميد الأصول ومنع السفر ومصادرة الأجهزة. في المقابل، وصفت منظمات حقوقية هذه الملاحقات بأنها “حملة شرسة” تستند إلى نصوص فضفاضة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2018، تُستخدم لتقييد حرية التعبير أكثر مما تحمي المجتمع. هذا الغموض في التشريعات يجعل المؤثرين عرضة للمساءلة حتى على محتوى لا يحمل بالضرورة مخالفة واضحة.
التناقض بين الملاحقة والاستخدام
المشهد يزداد تعقيداً مع تناقض آخر: ففي الوقت الذي تحاصر فيه السلطات المؤثرين بتهم متعلقة بـ”الأخلاق”، تدير وزارة الداخلية نفسها حساباً نشطاً على “تيك توك”، وتشارك في مراقبة وتوجيه المحتوى. كما أن الاتهامات بغسل الأموال تتعارض مع حقيقة أن أرباح المؤثرين في مصر متواضعة جداً، إذ لا تتجاوز 1.20 دولار لكل ألف مشاهدة، أي عُشر ما يجنيه صناع المحتوى في الولايات المتحدة. هذا التفاوت يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الهدف حماية الاقتصاد فعلاً أم إحكام السيطرة على المنصات الرقمية.
انعكاسات اجتماعية واقتصادية
تبدو قضية “سوزي الأردنية” أكثر من مجرد محاكمة فردية؛ فهي تعكس صراع جيل بأكمله يبحث عن متنفس في فضاء رقمي أصبح البديل الوحيد للإعلام التقليدي الخاضع لرقابة مشددة. بالنسبة لكثير من الشباب، يمثل “تيك توك” فرصة للرزق وتحقيق الذات في بيئة اقتصادية صعبة، لكن الملاحقات الأمنية تهدد بتحويل هذا الحلم إلى كابوس. وقد انعكس ذلك في تعليقات الجمهور بين متعاطف يرى في الاعتقالات تقييداً للحريات، وآخر يتهم المؤثرين بانعدام الأخلاق والتأثير السلبي على الأجيال الصغيرة.
بين الصعود السريع إلى الشهرة والانحدار المفاجئ نحو السجن، تختصر قضايا مؤثري “تيك توك” في مصر ملامح معركة أوسع حول حرية التعبير وحدود الرقابة. وبينما ترى الدولة أن ضبط هذا الفضاء ضرورة لحماية المجتمع، يعتبر المنتقدون أن القوانين الغامضة تفتح الباب للتعسف وتناقض نفسها حين تُستخدم ضد الشباب بينما تُمارس السياسة ذاتها عبر المنصة الرسمية. هكذا تبقى الأسئلة معلقة: هل يمكن التوفيق بين حرية التعبير وصون القيم الاجتماعية، أم أن الفجوة بين الجيل الجديد والسلطة ستتسع أكثر؟
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




